قناة د. عبداللطيف التويجري
◉ خاطرة عن دلالة "العِنْدِيَّةِ" في الخطاب الشرعي!
فهم الخطاب الشرعي ودقة استنباط الأحكام منه متوقفٌ على إدراك دقائق دلالات الألفاظ وأسرار الظروف في استعمالات العرب، ومن ذلك لفظ «عِنْدَ» الذي يتكرر في نصوص العبادات؛ كقوله ﷺ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» وقوله: «عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» إلى آخره.
والأصل المقرَّر أنَّ «العندية» ظرفٌ يفيد غاية القرب والاتصال والمصاحبة؛ غير أن تحديد المراد بها في النص لا ينفك عن السياق والفعل الذي أضيفت إليه، وها هنا ثلاثة استعمالات لها على سبيل المثال لا الحصر :
أولاً: عندية المقاربة.
وذلك عند إرادة الفعل والشروع فيه، وتختص بالعبادات التي لا تحتمل إدخال عمل آخر في أثنائها منعاً للإبطال أو التشويش؛ فيكون المعنى: عند مقاربة الدخول فيها وقبيل الشروع، كالسواك للصلاة ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ أي: إذا أردتم القيام.
ثانيًا: عندية المصاحبة.
وذلك أثناء التلبس بالفعل، وتتحقق في الأفعال المركبة الممتدة، فيكون المطلوب إيقاع الفعل مصاحبًا لأجزائها، كالسواك المندوب في أثناء الوضوء عند المضمضة.
ثالثًا: عندية التعقيب.
وذلك عقب الفراغ من الفعل، وتكون حيث دلت القرائن على ترتب العمل على تمام العبادة دون تراخٍ، كالأدعية والأذكار الواردة عند الانتهاء من الصلاة أو عند الإفطار مثل قوله حديث: «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ».
وهذا يبين أن اللفظ الواحد قد تتنوع دلالته الزمنية بحسب السياق والقرينة، وأن دقة الفهم لا تقف عند ظاهر اللفظ مجردًا، بل تتطلب النظر في صلته بما قبله وما بعده، وبالفعل الذي تعلق به. وبالله التوفيق.
10 · 1.7K ·