عَبْدَئِيْل
ردالجهادُ الأصغرُ—الجسديُّ—ليس مجرَّدَ صراعٍ بين سيوفٍ تتلاقىٰ وأكبادٍ تتلاشىٰ. بل هو وسيلةٌ للقضاءِ علىٰ الفتنةِ ممَّا يمهُّدُ للانتصارِ المقدَّسِ علىٰ الدُّنيويِّ، وانبثاقِ النُّورِ في وجهِ الظَّلامِ الدَّويِّ. إنَّها ليست حربًا بالمعنىٰ الدُّنيويِّ القائمِ علىٰ الغزوِ والهيمنةِ، بل قتالٌ في سبيلِ اميزَ النَّبيُّ ﷺ بين الجهادِ الأكبرِ والأصغرِ، فالجهادُ الأكبرُ ليسَ مجاهدةً تدارُ في ساحِ الوغىٰ، بل هي مجاهدةُ النَّفسِ وَسلطانِ الهوىٰ. فليسَ الفارسُ الحقُّ من يُريقُ الدِّماءَ ويَسكنُ هديرَ البأساءِ، بل من يطهِّرُ باطنَهُ من كدرِ الأنا، ويفني نفسَهُ فِي نورِ الحقِّ ووهجِ اليقينِ، ماضيًا في مَسرىٰ النُّورِ حتَّىٰ ذابَ كبرُهُ في نفسِ الحقِّ، وَصفا كَالمرايا بين يدي الأزلِ. إنَّ فارسَ الإسلامِ، إنْ صدقَ في فتوَّتِهِ، لا يطعنُ برمحٍ أجوفَ، ولا يفاخرُ بطعنٍ خلبٍ؛ بل يقارعُ باليقينِ، وَيكافحُ بحسنِ التَّمكينِ. فَالمحرابُ أسبقُ من السِّربالِ، والسُّجودُ أصدقُ من السِّجالِ. سلاحُهُ قلبٌ زكَّاهُ الإخلاصُ، ودرعُهُ نيَّةٌ لم تُشِبهَا شائبةُ ارتياءٍ أو التِّباسٍ، يعلمُ أنَّ النَّصر لا يعدُّ بجثثٍ ملقاةٍ، ولا يحصىٰ بجراحٍ مفتوحةٍ أو دماءٍ مهراقةٍ وسيوفٍ مضرجةٍ؛ بل يوزَّنُ بميزانِ من غلبَ الهوىٰ، وساسَ الشَّهوةَ وسما، وسجدَ للعدلِ سجودَ من عرفَ المقصدَ ووعىٰ، لا ركوعَ من جهلَ وتأوَّهَ ودعا.
هٰذا المثالُ الفروسيُّ صدًىٰ لِتقليدٍ قديمِ العهدِ، سحيقِ الجذورِ، لا يعرفُ التَّحوُّلَ ولا يرضىٰ الزَّوالَ. فَالفارسُ الحقُّ من جاهدَ نفسَهُ الأمَّارةَ جهادَ المنيبِ، وقمعَ هواها قمعَ الحازمِ الأريبِ، قبلَ أنْ يسلَّ سيفًا علىٰ عدوٍّ أو يركبَ له ظهرًا مِنْ غضبٍ وشغبٍ. فإنَّ الجهادَ الأصغرَ ليس إلَّا ظلًّا للجهادِ الأكبرِ، كما قالَ نبيُّ البصائرِ والأسرارِ، محمَّدٌ المختارُ ﷺ، إذ عادَ من الغزوِ: «رجعنا من الجهادِ الأصغرِ إِلىٰ الجهادِ الأكبرِ». فذٰلكَ قتالُ الباطنِ، ومعركةُ السِّرِّ، وسُلوكٌ في مدارجِ التَّزكيةِ، وارتقاءٌ في معارجِ النُّفوسِ إِلىٰ جوارِ الخيرِ المحضِ، علىٰ سواءٍ من الطَّريقِ الَّذي سبكَهُ أفلاطونُ فِي حديثِه عن انبعاثِ النَّفسِ إلىٰ مطلعِ النُّورِ وعينِ الجمالِ.
جِهادُ الفارسِ كمُكابدةِ النَّفسِ في معراجِها إلى مَلكوتِ الأزلِ، وارتقائِها من مهاوي الفِرقةِ إلى مراقي الوصلِ، وعودتِها من شُتاتِ الظُّلُماتِ إلى حضرةِ الاندمالِ الإلهيِّ، حيثُ تُمحى الظُّنونُ، وتُجلى السُّنون، وتَفنى الرسومُ، وتبقى العلومُ. وكما رأى حُكماءُ الإسكندريَّةِ في البطلِ صورةً صُغرى لمعركةِ الأفلاكِ، ومجالدةِ العناصرِ في مداراتِ الإملاكِ، كذٰلكَ ترى الميتافيزيقا الإسلاميَّةُ في الفارسِ آيةً من آياتِ ا… اقرأ كاملًا ←
7 · 1K ·