رِواء
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾
بهذه العبارة واجه فرعون موسى عليه السلام، مستحضرًا حادثة من ماضيه، لا بقصد التذكير المجرد، وإنما في سياقٍ أراد من خلاله أن يضعه في موضع المتهم، وأن يستثمر خطأً قديم للنيل من موقفه وإضعاف حجته. فأراد أن يختزل موسى في فعلٍ مضى، وأن يجعل من ماضيه قيدًا على حاضره.
غير أنّ موسى عليه السلام لم يُنكر، ولم يُوارِ، ولم يلجأ إلى تبريرٍ يلتفّ به على الحقيقة؛ بل قال بثباتٍ ووضوح: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾. فقد قدّم اعترافًا صريحًا، لكنه اعترافٌ لا يُسلم صاحبه لسطوة الماضي، ولا يجعل من الخطأ القديم هويةً ملازمة أو قدرًا محتومًا.
في هذا الموقف معنى بالغ الأهمية: الاعتراف بالماضي لا يعني الارتهان له، والإقرار بالخطأ لا يعني أن يظل الإنسان أسيرًا لهويةٍ تشكلت في لحظةٍ تجاوزها.
فالإنسان يتغير، وينضج، ويراجع نفسه، وقد يخطئ ثم يتوب، ويضل ثم يهتدي، ويترك خلفه من السلوك والأفكار والعلاقات ما لم يعد يشبهه. وليس من العدل أن يُحاكم الإنسان إلى الأبد بأقدم نسخةٍ منه، بينما تُغفل كل المسافة التي قطعها منذ ذلك الحين.
9 · 4.7K ·