رِواء
فيما يتعلق بمفهوم المعنى، في ظني أن الفرق بين فرانكل «رائد العلاج بالمعنى» والمنظور الإسلامي، ليس في أهمية المعنى، بل في مصدره وموقعه من الإنسان.
عند فرانكل، المعنى هو ما يجعل الإنسان قادرًا على احتمال الألم. ولهذا كان سؤاله للمرضى اليائسين «لماذا لم تنتحر؟» ذكيًا علاجيًا؛ لأنه لا يفترض أن هناك معنى واحدًا يصلح للجميع، بل يحاول اكتشاف المعنى الذي لا يزال يربط هذا الشخص تحديدًا بالحياة.
لكن من المنظور الإسلامي يمكن أن نقول إن هناك نقلة مهمة: المعنى ليس شيئًا يصنعه الإنسان من تجربته فقط، وإنما هو شيء يُعطى له قبل تجربته.
فالقرآن لا يترك الإنسان أمام سؤال: لماذا أنا هنا؟ وكأن عليه أن يخترع الإجابة بنفسه، فالله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
وهذا يغيّر المسألة جذريًا. لأن معنى الحياة هنا لا يتوقف على بقاء الزوج، أو الصحة، أو الأبناء، أو المكانة الاجتماعية. هذه كلها معانٍ داخل المعنى، وليست المعنى النهائي.
وهنا تظهر قوة التصور الإسلامي نفسيًا: إذا كان معنى حياتي قائمًا على شيء يمكن للحياة أن تسلبه مني، فأنا معرض لأن أفقد معنى حياتي حين أفقد ذلك الشيء. أما إذا كان المعنى متجاوزًا للحياة نفسها، فإن خسارات الحياة لا تستطيع من حيث المبدأ أن تنتزع المعنى كله.
وأظن أن أجمل ما في التصور الإسلامي للمعنى ليس فقط أنه يعطي الإنسان إجابة، بل أنه أيضًا يعلمه متى يتوقف عن طلب الإجابة. وهذا فارق بالغ الأهمية.
فالعقل الإنساني لديه ميل شديد إلى السببية:
لماذا حدث هذا؟ لماذا مُنع هذا؟ لماذا مات فلان؟. وهذا الميل ليس مذمومًا في ذاته. بل القرآن نفسه يحفز الإنسان على التفكر والتدبر والنظر. ولذلك نجد في الشريعة تعليلًا وحِكمًا ومقاصد كثيرة، وكأن الوحي يخاطب عقل الإنسان ويقول له: فكر، وتأمل، وافهم.
لكن في المقابل، هناك نقطة لا يستطيع العقل تجاوزها: ليس كل ما له معنى يمكن لعقلك أن يعرف تفاصيل معناه. وهنا يصبح التسليم بالله نوعاً من الاعتراف بحدود العقل.
وهذا يظهر بصورة جميلة جدًا في قصة موسى والخضر. موسى لم يكن جاهلًا، ولم يكن قليل الفهم، بل كان نبيًا. ومع ذلك رأى أشياء لا يستطيع تفسيرها وفق المعلومات التي لديه: خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار. وفي النهاية جاء التفسير. واللافت أن القصة لا تقول لنا فقط: ستعرف الحكمة لاحقًا، بل تعلمنا شيئًا أكثر تعقيدًا: هناك أشياء لن تعرف حكمتها الآن، وربما لا تعرفها في هذه الدنيا أصلًا. وهنا يصبح الإيمان نوعًا من القدرة على العيش مع المعنى غير المكتمل معرفيًا.
ويذهب الإسلام لخطوة أبعد أيضاً ويقول: لا تجعل معنى وجودك كله رهينًا بما تستطيع هذه الحياة أن تمنحك إياه. الحياة نفسها ليست المحطة الأخيرة حتى تكون قادرة على إعطائك المعنى النهائي. لذلك نجد في التصور الإسلامي أن الموت نفسه لا يمثل انهيار المعنى. الموت ليس نهاية القصة، ولذلك لا يصبح فقدان بعض الأشياء في الدنيا فقدانًا لكل شيء.
ويمكن أن يصبح السؤال البديل لسؤال فرانكل: ما المعنى الذي يجعل حياتك جديرة بأن تُعاش حتى عندما تسلب منك الحياة الأشياء التي كنت تظن أن حياتك قائمة عليها؟
وهنا سيظهر الفرق بين المعنى العرضي والمعنى الجوهري. فالابن معنى، الزوجة معنى، العمل معنى. لكن كلها قابلة للفقد. أما أن يكون الإنسان عبدًا لله، فهذه ليست قيمة عرضية من هذا النوع؛ لأنها لا تعتمد على امتلاك شيء من العالم حتى تستمر.
ولهذا أعتقد أن العبارة الأدق ليست أن الإسلام «يعطي الإنسان معنى يمنع من الانتحار»، فهذا اختزال شديد للمسألة، وإنما أن الإسلام يعيد تعريف علاقة الإنسان بوجوده نفسه.
أنت لست موجودًا لكي تحصل على مجموعة معينة من الأشياء، ثم إذا لم تحصل عليها انتهت جدوى وجودك. أنت موجود لله، وفي طريقك إلى الله، وهذه الحياة بما فيها من فقد ومرض ونجاح وفشل ليست هي التي تحدد القيمة النهائية لوجودك. ومن هنا تصبح المعاناة قابلة لأن تدخل داخل المعنى بدل أن تهدمه. وهذه ربما نقطة يلتقي فيها فرانكل مع الإسلام بصورة مذهلة: المعاناة لا تكون بالضرورة نقيضًا للمعنى؛ أحيانًا تصبح جزءًا من الطريق إليه.
إذاً وفق المنظور الإسلامي إذا طُرح سؤال: لو سقطت منك كل الأشياء التي كنت تستمد منها قيمتك، فما الذي يبقى؟. الجواب يكون في النهاية ليس شيئًا من الأشياء. يبقى الله، وتبقى علاقتك به، ويبقى التكليف، وتبقى الآخرة، ويبقى معنى أن وجودك لم يكن عبثًا منذ البداية.
وأظن أن هذه واحدة من أقوى الإجابات التي يمكن أن يقدمها التصور الإسلامي لمشكلة المعنى: ليس عليك أن تفهم كل شيء لكي يكون كل شيء ذا معنى. أحيانًا يكون النضج الإيماني هو أن تعرف ما تستطيع أن تعرفه، وتسأل عما تستطيع أن تسأل عنه، ثم تقف عند حدودك المعرفية دون أن يتحول عجزك عن الفهم إلى اتهام للوجود بالعبث. وهذا لا يجعل التسليم عدوًا للمعنى، بل قد يكون في بعض المراحل أعمق صورة من صور المعنى.
10 · 2.1K ·