آلامٌ شديدة لا تُطاق..
أشعر أن روحي تُنتزع مني في كل لحظة، وأكثر من ستة أطباء عجزوا عن تشخيص حالتي أو معرفة سبب هذا الألم!
حتى أقرّ لي أحد الأطباء بضرورة إجراء صورة مقطعية، بعدما تعذّر إجراء الرنين المغناطيسي لعدم توفره في أيٍّ من مستشفيات قطاع غزة.
يوم الأحد الماضي، ذهبت لحجز موعد إجراء الصورة، فأخبرني الموظف أن دوري لن يأتي إلا بعد عامين ونصف!
أجل، عامين ونصف!
ليست مزحة، ولا خطأً في الحساب!
في تلك اللحظة، لم أعد أفكر في موعد الفحص بقدر ما أيقنت أنني قد لا أحتمل أسبوعاً آخر من شدة الألم.
ختم الطبيب على ورقتي وكتب عليها بخط واضح: "عاجل"، فكان أقصى ما استطاعوا فعله هو تقديم موعدي إلى يوم الخميس، أي يوم أمس.
ذهبت إلى المستشفى..
رأيت أكثر من خمسين شخصاً حضروا لإجراء الصورة المقطعية، وثمانية وأربعين آخرين جاؤوا لحجز مواعيد جديدة.
كان معظمهم يحملون أوراقاً مختومة بكلمة "عاجل"، ومع ذلك كانت المواعيد التي مُنحت لهم جيدة جداً، إذ لم يكن أقربها إلا العام القادم!
تقدّم رجل مسن ووقف بجواري، ناول الموظف أوراقه، فتفحّص الموظف تحاليله، وقطّب حاجبيه بحزن، ثم قال له: "يا عمي، لن تستطيع إجراء الصورة، وظائف الكلى عندك مرتفعة".
لم يفهم الرجل المسن شيئاً مما قاله الموظف، لكنه نظر إليه وقد اغرورقت عيناه بالدموع، وازدادت رجفة يديه، وقال: "يا ابني، هاد الحجز انكتب لي من شهر 3"!
سبعة أشهر كاملة انتظرها هذا الرجل ليحصل على فرصة لإجراء صورة مقطعية، وفي اللحظة التي جاء فيها دوره، أُبلغ بأن تدهور حالته الصحية لم يعد يسمح له بإجرائها!
وتقدّمت امرأة أخرى ترجوه أن يقدّم موعد ابنها الوحيد، الذي أُصيب بجلطة في وجهه، وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره!
ثم جاء شاب، فقال للموظف: "اليوم موعد صورة أمي.. بس ماتت من أسبوع"!
وحين هممتُ بالخروج من المستشفى، دوّى صوت سيارة إسعاف وصلت مسرعة، وأنزلوا منها ثلاثة مصابين:
شاب مبتور القدم، ورجلٌ غطّى الدم صدره، وطفلٌ ملفوف الرأس، وقد غطّى الدم نصف جسده.
خرجت من المستشفى وقد انفجرت باكية..
لم أعد أحتمل ما رأيته و سمعته..
يا الله...
لسنا أحياءً، ولسنا أمواتاً فنستريح!
في غزة ..
كل موجوع فيها -ان كان ذو حظ عظيم- ستجده يحمل ورقة مختومة بكلمة "عاجل"!
أما عن موعد فحصه الطبي فهو أبعد من موعد الموت!
رحماك يا الله بحالنا..
نبوء إليك بذنوبنا، فاغفر لنا…
اقرأ كاملًا ←