إن ثمرة النظر في المأساة ليست شعوراً باليأس في الحياة أو الاستقالة الأخلاقية، كما اعتقد شوبنهاور، ولكن -أعتقد- شعوراً عميقاً بالذات في اعتمادها التام على الآخرين.
— S. Critchley
جزء من حوار مع كونديرا:
ما يُدهشنا من كافكا ليس أنه يَتساءلُ عمّا هي الدوافع الباطنيّة التي تُحدِّدُ سلوكَ الإنسان، بل كونه يَطرحُ سؤالاً مُختلفاً جذريّاً: ما هي إمكانات الإنسان في عالَم أصبحَت فيه المُحدِّدات الخارجيّة ساحقة إلى حدِّ لمْ تَعُدْ معه الدوافع الباطنيّة ذات تأثير إطلاقاً؟ ما الذي كان، فِعلاً، مُمكنا أن يتغيّر في مصير ك. ومَوقفه لوْ كانت له غرائز مثليّة أو لو عاش قصّة حُبّ مؤلمة؟ لا شيء، ليست الرواية اعترافاً صادراً عن المؤلِّف، بل هي سَبْرٌ لِمَا هي الحياة الإنسانيّة في عالَمٍ أصبح فخّا، أنْ تصيرَ الحياةُ فخّاً هو أمرٌ عرفناه دوماً: يُولَدُ الإنسانُ دون أنْ يَطلبَ ذلك، ويُحبَسُ في جَسد لمْ يَختره، جسد منذور للموت، بالمُقابل، كان فضاءُ العالم يُوَفّرُ دوماً إمكاناً للهروب، كان بمقدور جُنديّ أن يَفرّ من الجيش ويبدأ حياةً أخرى في بلدٍ مُجاور، في عصرنا يَنغلقُ العالَمُ فجأةً من حولنا، إنّ الحدثَ الحاسمَ في تحَوُّل العالَم إلى فخّ كان بلا شكّ حرب 1918-1914، التي أطلِق عليها ولأوّل مرّة في التاريخ حرب عالميّة، عالميّة خطأً، إذ لمْ تكُن تَعني سوى أوروبا، بل لمْ تكُن تَعنيها كلّها، لكنّ نَعْتَ عالمي يعبِّر على نحو بليغ عن الشعور بالهلع أمام واقعة تَدلُّ مُنذئذٍ على أنْ لا شيء مِمّا يَقعُ على وجه الأرض سوف يَبقى شأناً مَحلّيّاً، وأنّ كلّ الكوارث تهمّ العالَمَ بأسْره، وأنّنا أصبحنا، تبعاً لذلك، مُحدّدين أكثر فأكثر من الخارج بالأوضاع التي لا أحَد بإمكانه الإفلات منها، والتي تجعلنا أكثر فأكثر نُشبهُ بعضَنا.
"إن الفلسفة لا تحتلّ مكانة بارزة في الثقافة إلا عندما تبدو الأشياء بصدد الانهيار، عندما تتعرّض معتقدات قائمة منذ وقت طويل ومقدّرة على نطاق واسع إلى تهديد".
R. Rorty
في هذا العصر، الذي يؤمن بأنَّ هناك طريقاً مُختصّرة إلى كل غاية، أعظم درس يتعلمه المرء هو أنَّ الطريق الأصعب هي، على المدى الطويل، الأسهل، وكل ما بُثَّ في الكتب، كل ما يبدو حيوياً وهاماً إلى أقصى مدى، ليس إلا مثقال ذرة من الأصل الذي نبت منه وفي مقدرة كل شخص أنْ يفيد منه، وكامل نظريتنا عن الثقافة قائمة على الفكرة التافهة القائلة إنَّ علينا أنْ نتعلّم السباحة على اليابسة قبل أنْ ننزل المياه، وهذا ينطبق على امتهان الفنون والمعرفة، إنَّ الناس لا يزالون يتعلمون الإبداع بدراسة أعمال الآخرين أو بوضع خطط وتصاميم ليس في النية وضعها قيد التنفيذ أبداً، إنَّ فن الكتابة يُعلَّم في المدارس بدل أنْ يتم ذلك في غمار الحياة، ولا يزال الطلاب يتلقّون نماذج من المفترَض أنْ تتناسب مع الأمزجة كلها، ومع أنماط الفكر كلها، ولا غرابة أننا ننتج مهندسين أفضل مما ننتج من كتّاب، ونُنتج خبراء في الصناعة أفضل من الرسامين.
هنري ميلر
إنَّ النظر إلى القارئ الذي كنتُ ذات يوم أشبه بمراقبة رجل يشق طريقه بصعوبة في الأدغال، وأؤكد لك أنَّي تعلّمتُ من العيش في قلب الأدغال بضعة أشياء عن الأدغال، لكنَّ هدفي لم يكن قط العيش في الأدغال بل التخلُّص منها!
هنري ميلر
رشّح لي أنستقرام هذه المقاطع، لا أعرفك يا سعد ولكنك ذكرتني بأبيات بخيت التي يقول فيها:
مطرٌ على الأقصى..
الدموعُ سلالمٌ نحو السماء
والله يُمدِدُ حبله!
خذني لأندلس الغياب
فربما تعِب الحصان وتلك آخر صهلة
لا أحملُ الزيتونَ في المنفى معي
وشراءُ زيتِ المترفين مذلّة
أعطي الشّتاتَ هويّتين وبسمةً
وليَ الدموع، الحُزن يعرفُ أهله..
ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجًا يذوب في دخيلتي، فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس، ذاك دفء الحياة في العشيرة، فقدته زمانًا في بلاد "تموت من البرد حيتانها".
موسم الهجرة إلى الشمال / الطيب صالح