إنه القاهر فوق عباده.. من هو ذلك الذي يمكن أن نصفه بصفة كهذه من ملوك وزعماء الأرض؟ من هو ذلك الذي قد نقارن بينه وبين الله في جبروته وقهره؟ لا أحد في هذه الدنيا مهما ملك من قوة. الله وحده هو القاهر فوق عباده كبيرهم وصغيرهم، ملكهم ومملوكهم، رئيسهم ومرؤوسهم.
وهو الحكيم في أفعاله، الحكيم في تدبيره، أعماله لا عشوائية فيها، ولا جهالة فيها، الخبير بشئون عباده، الخبير بأعمال عباده، الخبير كيف يقهر من تمرد عليه، الخبير كيف ينصر من نصره، الخبير في كيف يفي بوعده لمن وثق به وتوكل عليه.
{وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}(الأنعام: من الآية18) في هذه الدنيا نجد أمثلة كثيرة تبين أن كثيراً من أولئك الذين يعتمد عليهم الناس فمتى ما انطلقوا ليفوا بوعودهم لهم كم تحصل من أخطاء.. أمريكا عندما دخلت أفغانستان, ووقفت مع أحزاب التحالف الشمالي، التي كانت معارضة لحركة طالبان كم حصل من أخطاء من قِبَل الطائرات الأمريكية فضربت مدناً، وضربت مناطق هي تابعة لأحزاب المعارضة، فحصل قتلى كثير في مناطق هي تابعة لأحزاب المعارضة الذين هم تولوا أمريكا، وأمريكا وقفت معهم، لا أحد مهما كان ناصحاً معك إذا ما توليته وابتعدت عن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يكون خبيراً في كيف يقف معك.
بل نجد كيف أن أمريكا نفسها كم من الزعماء جنّدوا أنفسهم لخدمتها, وقضوا أعمارهم في العمالة لها، وفي تنفيذ مخططاتها، وفي الأخير في وقت الشدة، ووقت ثورة شعوبهم عليهم تتركهم وتتخلى عنهم، وأحياناً تتخلى عنهم قبل ذلك، كم من شخص جنّد نفسه ليكون جاسوساً للمخابرات الأمريكية أو غيرها، فيبدوا لهم في حين من الأحيان أن يقضوا عليه، أو يعملوا على أن تصيبه عاهة من الجنون أو نحوه تفقده شعوره.
هكذا يعملون بأوليائهم، أفعال ليست من الحكمة في شيء، أعمال هي فيما يتعلق بذلك الشخص الذي بذل جهده من أجلهم، وضحى بعمره من أجلهم تعتبر مكافئة سيئة على إحسانه إليهم، أما الله سبحانه وتعالى فهو من ينصر أولياءه, ومن يقف مع أوليائه، ومن لا يضيِّع جهود أوليائه، ومن يقرب أولياءه منه، ومن لا يفرط فيهم ولا يضيعهم؛ لأنه الحكيم الخبير.
ويقول سبحانه وتعالى: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ} (القصص70) هو من لـه الثناء، من لـه المجد في الدنيا في هذا العالم وفي الآخرة، هو المقدس، والمنزه عن كل نقص، وعن كل قبيح، وعن كل عيب في هذه الدنيا وفي الآخرة.
والدنيا والآخرة عالَمان الإنسان لا بد أن يمضي فيهما، نحن في هذه الدنيا في عالم الأولى، ولا بد أن نَفِدَ ونتحرك جميعاً إلى عالم الآخرة.. فمن هو هناك الملك في اليوم الآخر؟ أليس هو الله سبحانه وتعالى, فهو هناك من له الملك وحده، لا أحد يستطيع أن يتصرف في شئون عباده في اليوم الآخر.
وهو هو سبحانه وتعالى المستحق للحمد والثناء والمجد في الدنيا وفي الآخرة، وهو هو من لا يمكن أن يتنكر لك، فإذا ما وعدك هنا في الدنيا فقد يخلف في الآخرة. لا.. هو من ستكون رحمته بك في الآخرة أعظم وأعظم، وسيبدو لك إحسانه إليك في الآخرة أكبر وأكبر مما حصل في الدنيا.
وكونه مستحق للحمد هو لكماله, لقدسيته، فهو, هو الكامل في الدنيا وفي الآخرة، فلا يمكن أن تخشى أن يتغير لديه مزاج كما يحصل للناس في هذه الدنيا، قد تجد شخصاً وفياً معك, وصادقاً معك فترة، ثم تلمس فيه أنه بدأ يتغير مزاجه، وبدأ يقلب وجهه عنك، قد يصدق معك في موقف معين، ثم يأتي موقف آخر فتراه تغير وتبدل وقعد عنك .. ألست ترى بأن هذا الشخص قد اعتراه نقص, قد علاه نوع من النقص، وسوء الخلق؟ فأنت تنظر إليه أنه أصبح يستحق الذم؟ أليس كذلك؟ بل قد تنطلق أنت لتذمه بعبارات قاسية تطلقها من فمك، أما الله سبحانه وتعالى فهو مَن سيكون شعورك نحوه في الآخرة أعظم مما كنت عليه في الدنيا، تتجلى رحمته لك أعظم، وإحسانه إليك أكبر، وتأتيك البشارات الواحدة تلو الأخرى وأنت في موقف الحساب، فالناس تشخص أبصارهم من شـدة الهول، وأنت هناك مطمئن {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (يونس:62) {يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} (الزخرف:68)
يكون أولياؤه - والناس في شدة الحساب - مَن هم متكئون وجالسون على أرائك، والأرائك هي الكنب كما نقول في الدنيا، المقاعد الملبسة بالفراش، يقدم لهم الشراب, ويقدم لهم الطعام قبل أن يزفوا إلى الجنة، والناس هناك في هول شديد.
الله من لا يمكن أن تخشى منه أن يتغير أو يتبدل؛ لأن كماله هو كمال ذاتي, وكماله هو الكمال المطلق، إذاً فلماذا لا تثق به؟ لماذا لا تعظم ثقتك به؟ أنت قد تثق بشخص هنا في الدنيا حتى ولو كان رئيس دولة، وأنت تعلم بأنه من المحتمل أن يموت اليوم أو غداً، من المحتمل أن يحدث عليه انقلاب اليوم أو غداً، فيصبح مسكيناً لا يستطيع أن يعمل لنفسه شيئاً فضلاً عن أن يعمل لك شيئاً.