تتأرجحُ أرواحنا في بندولٍ لا يهدأ، بين الحنينِ الموجعِ للمألوف، والنداءِ الغامضِ نحو المجهول. نحنُ كائناتٌ مصابةٌ بلعنةِ التناقض؛ نألفُ الجدران حتى تضيقَ بنا فنشتهي الفرار، وحين نبتعد، نلتفتُ إلى الوراء لنبكي على أطلالها.
لكنَّ المفارقةَ الأقسى هي أنَّ أعمقَ لوعةٍ نُكابدها، تكونُ لأماكنَ لم نعهدها قَط. نحنُ نشتاقُ إلى المُتخيلِ أكثر من الواقع، لأنَّ الأماكنَ التي لم نزُرها بعد لا تزالُ تحتفظُ بطهارتها في عقولنا؛ لم تتدنسْ بخيباتنا، ولم تشهدْ على انكساراتنا المتكررة.
إنَّ هذا الحنين ليس إلا تمرداً يائساً على قصورِ الحاضر. نحنُ نبحثُ في الخرائطِ الفارغة عن أرضٍ لم تُسجلْ فيها هزائمنا بعد، متناسين في غمرةِ هذا الوهم، أننا لا نشتاقُ إلى جغرافيا المكان بقدرِ ما نشتاقُ إلى الخلاص.. وأننا حيثما ارتحلنا فراراً، فإننا نحملُ معنا أرواحنا المنهكةَ ذاتها.
أثيل
19 · 1.5K · "وجهكَ ليس محطةً للوصول، بل هو أعذبُ المتاهات التي أرجو ألا أجدَ منها مخرجاً."
يُذكّرني وجهكَ بتلك الأيامِ التي نبلغُ فيها من فرطِ السعادةِ حدَّ التيه؛ حيثُ تتلاشى الخرائط، وتتعطلُ بوصلةُ الإدراك، ولا أعودُ أبحثُ عن أيِّ وجهةٍ أمضي إليها.. بل أقفُ مأخوذاً بهذا الانبهار، راجياً أن يتوقفَ الزمن، لأظلَّ غارقاً في تفاصيلكَ إلى الأبد.
أثيل
11 · 850 · الارتماء إلى حُضنك
ليس اندفاعًا… بل عودةٌ إلى مقاسي.
هناك يتراجع ضجيجُ الرأس، ويستوي النَّفَس.
لا أطلب وعدًا؛ أطلب مكانًا تُطفَأ فيه زوائدُ الخوف.
أضع رأسي، فيهدأ العالمُ قليلًا.
يتذكّر قلبي وظيفته: أن يمسك بك لا بالدنيا.
حضنك ليس هروبًا من الحياة، بل ترتيبٌ لها.
أخرجُ منه أخفَّ، وأصدق… وأقدر على الكلام.
رِكَاب
9 · 529 · اشتقت لكم 🤍
1 · 505 · لا أنا عندَ نظرتكِ أنا.. فقد سُلبتْ إرادتي مع أولِ التفاتة.
ولا أنا عندَ صوتكِ أنا.. فقد ذابت صرامةُ العقلِ في بحّةِ النداء.
ولا أنا عندَ عينيكِ أنا.. ففي عُمقهما غرقتْ كلُّ خرائطي، وتلاشتْ بوصلةُ اتزاني.
أنا فقط.. ذلكَ الجريحُ الذي تهاوتْ حصونهُ أمامكِ، والظمآنُ الذي أنهكهُ التيهُ في صحراءِ الأيام، حتى وجدَ ارتواءهُ وملاذهُ الأخير، مُعلقاً في كوكبةِ النمشِ المنثورةِ على وجنتيكِ. هناكَ فقط.. انتهى ارتحالي، واعترفتُ بهزيمتي الأجمل.
أثيل
6 · 562 · م.سالم .لا أنا عندَ نظرتكِ أنا.. فقد سُلبتْ إرادتي مع أولِ التفاتة.
ولا أنا عندَ صوتكِ أنا.. فقد ذابت صرامةُ العقلِ في بحّةِ النداء.
ولا أنا عندَ عينيكِ أنا.. ففي عُمقهما غرقتْ كلُّ خرائطي، وتلاشتْ بوصلةُ اتزاني.
أنا فقط.. ذلكَ الجريحُ الذي تهاوتْ حصونهُ أمامكِ، والظمآنُ الذي أنهكهُ التيهُ في صحراءِ الأي
وسقطتِ الـ "أنا"
وأصبحتُ بأسري "أنتِ".
2 · 523 · "الوعيُ المطلقُ لعنة.. ومن سلّطَ مجهرَ التدقيقِ على كلِّ تفصيلةٍ في هذا الوجود، احترقَ بنارِ الانتباه."
نحنُ نُبتلى أحياناً بفرطِ الإدراك، نعتقدُ واهمينَ أنَّ الانتباهَ لكلِّ شاردةٍ وواردة، وقراءةَ ما بين السطور، وتحليلَ النظراتِ والكلمات، هو ذكاءٌ وفطنة. لكننا نكتشفُ مع مرورِ الأيامِ وتراكمِ الخيبات، أنَّ هذا الانتباهَ الشرس لا يأتينا إلا بالشر، ولا يورثنا سوى القلقِ ووحشةِ الروح. فالأشياءُ بطبيعتها ناقصة، والبشرُ مجبولونَ على الزلل، وما من إنسانٍ إلا وفي داخلهِ عيوبٌ لو أمعنّا النظرَ فيها لكرهنا الحياةَ ومن فيها.
لقد أدركَ الحكماءُ والشعراءُ منذُ الأزلِ أنَّ النجاةَ في هذه الدنيا لا تكمنُ في حدةِ البصر، بل في "التعامي" الإرادي، وفي غضِّ الطرفِ بكرامة. التغافلُ ليس سذاجةً ولا ضعفاً في الحيلة، بل هو أعلى مراتبِ السيادةِ على الذات؛ هو أن ترى الخطأ بوضوح، وتُدركَ النقصَ تمامَ الإدراك، ثم تختارَ بملءِ إرادتك أن تعبرَ فوقهُ وكأنكَ لم تُبصر شيئاً، حفاظاً على ما تبقى من سكينة، ودرءاً لصدعٍ لا يُجبر.
لخصها أبو تمام في بيتيه الخالدين:
لَيْسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ فِي قَوْمِهِ
لَكِنَّ سَيِّدَ قَوْمِهِ المُتَغَابِي
يَتَغَافَلُ العَيْنَ البَصِيرَةَ قَاصِداً
لِيَرِيشَ مَا نَسَجَتْ يَدُ الأَسْبَابِ
في النهاية، نحنُ لا نغضُّ الطرفَ لأننا لا نرى، بل لأننا رأينا أكثرَ مما ينبغي.. فأيقنّا أنَّ بعضَ العمى هو البصرُ الحقيقي، وأنَّ التغاضي عن نواقصِ الأشياءِ هو ملاذنا الأخير لنحتفظَ بسلامنا الداخلي في عالمٍ مزدحمٍ بالخدوش.
أثيل
12 · 657 · مساء الخير جميعاً 🤍
260 · نحنُ نملكُ مخزوناً محدوداً من الجَلَدِ والطاقة، والمحاسبةُ المستمرة تُبعثرُ هذا المخزون في دروبٍ لا تُثمر، فيأتي التغافلُ ليقينا من هدرِ ثروتنا الداخلية في معاركِ الصغائر، لنحتفظَ بوهجنا لما يستحق. ولأنَّ البشرَ مجبولونَ على النقص، فإنَّ من رامَ رفيقاً مُنزهاً عن الزللِ عاشَ وحيداً؛ لذا نضربُ بالتغاضي مسافةً آمنةً بيننا وبين عيوبِ الآخرين كي لا نحترقَ بها، راضينَ بدفعِ هذا الثمنِ النبيلِ طواعيةً لاستدامةِ الودّ وتجنبِ وحشةِ الانفراد.
وكثيراً ما يُدركُ المخطئ زلتهُ فورَ وقوعها، فيكونُ صمتنا هنا نبلاً خالصاً، يمنحُ الآخرَ فرصةً للترميمِ الذاتي والتراجعِ بكبرياء، دون أن نضطرهُ لتجرعِ مرارةِ الانكسار أو شراسةِ الدفاعِ عن الخطأ. وحين نغضُّ الطرفَ عن سفاسفِ الأمور وتوافهِ الأفعال، نتحررُ من وحلِ التفاصيلِ المزعجة، وتتطهرُ بصائرنا لنلتفتَ إلى ما هو أعمقُ وأبقى..
فمن اشتغلَ بتتبعِ الصغائر، حُرمَ من رؤيةِ الشاسعِ من الأشياء.
في النهاية، المُتغافلُ ليس أعمى، بل هو بصيرٌ أدركَ أنَّ بعضَ الرؤيةِ جحيم، وأنَّ الإمساكَ بمقصلةِ العتابِ دائماً يبترُ كلَّ حبالِ الوصل.. فاختارَ السلامةَ والترفع.
أثيل
7 · 284 · لا يخرجُ الإنسانُ إلى هذهِ الحياةِ مُزوداً ببصيرةٍ استثنائية، أو حاملاً في تكوينهِ نظرةً أدبيةً ثاقبة. نحنُ في الأصلِ صفائحُ خالية، لا شكلَ لنا ولا هويةَ فكرية. ما يصنعنا حقاً، وما يمنحُ عقولنا ثقلها، هو ذلكَ الاحتكاكُ المستمرُّ بتضاريسِ الحياة، وتلكَ التجاربُ التي تنحتُ زوايا تفكيرنا كما ينحتُ السيلُ حوافَّ الصخر. أفكارنا ليست قوالبَ جامدةً كُتبَ عليها الخلود، بل هي كياناتٌ حية، تتبدلُ قناعاتها، وتتغيرُ ألوانها مع كلِّ مصدرٍ جديدٍ نستقي منهُ وعياً، ومع كلِّ عثرةٍ تُهدينا درساً.
ولعلَّ التحولَ الأعظمَ في وعيِ المرءِ لا يحدثُ بتراكمِ الأيامِ فحسب، بل بتلكَ اللحظةِ الفارقةِ التي تُعانقُ فيها عيناهُ سطورَ كتابهِ الأول. قبلَ تلك اللحظة، نحنُ نرى العالمَ بعيونٍ مجردة، ونُبصرُ الأشياءَ في مألوفيتها الرتيبةِ الباردة. ولكن، ما إن نتسربلَ بكلماتِ الآخرين، ونتذوقَ عصارةَ تجاربهم، حتى تنكسرَ قشرةُ السطحيةِ للأبد.
الكتابُ الأولُ ليس مجردَ ورق، بل هو "الولادةُ الثانية" للإنسان؛ هو العدسةُ التي تُهدى إلينا لنُبصرَ الخرابَ كلوحة، والندوبَ كقصائد، والصمتَ كلغةٍ مكتملة. ومنذُ ذلك الحرفِ الأول، نكفُّ عن كوننا مجردَ عابرينَ يستهلكونَ الأيام، لنُصبحَ قُراءً حقيقيين لشواهقِ الوجودِ وهاوياته.
أثيل
1 · 62 · "لم نُولدْ وفي أرواحنا مكتباتٌ من الحكمة، بل جئنا كأراضٍ بيضاء.. ننتظرُ غيمةَ التجربةِ الأولى، ودهشةَ الحرفِ الأول، لتنبتَ فينا بذورُ الإدراك."
1 · 58 · م.سالم .Video
"أصدقُ المشاعرِ هي تلكَ التي نعجزُ عن ترتيبها في جملة.. فتبقى عالقةً في تنهيدةٍ أو نظرة، لتُخلّدَ في الذاكرةِ أكثرَ من ألفِ حديث."
1 · 49 · "رغمَ أنَّ ذكرياتكَ تحملُ معها وجعاً يُتعبُ الروح، إلا أنني لا أجدُ في هذا العالم الواسع شيئاً أحنَّ على قلبي منها. أهربُ إليها كلما قستْ عليّ الأيام، وأحتمي بها من وحشةِ الغياب.. تماماً كالرسائلِ القديمة؛ يُبكينا أن نقرأها ونتذكر ما فات، لكننا نعودُ لنخبئها تحتَ وسائدنا كلَّ ليلة، لأنها الشيءُ الوحيدُ الذي يحملُ رائحةَ من نُحب."
أثيل
56 · "أكملتُ اليومَ شهراً كاملاً وأنا أُقلّبُ زوايا أشيائي، أبحثُ عن رسالتكَ، متشبثاً بوهمِ أنها لا تزالُ هنا، وأنني فقط خبأتها في مكانٍ آمنٍ ونسيته. ثلاثونَ يوماً وأنا أرفضُ فكرةَ ضياعها، وأفتشُ عنها كمن يبحثُ عن جزءٍ مفقودٍ من روحه.
لكنني اليوم.. توقفت.
اليوم فقط، استسلمتُ للحقيقةِ واقتنعتُ بمرارةٍ أنني فقدتها للأبد. لم تكن مجردَ ورقةٍ كُتبت وطويت، بل كانت أثراً منكَ، وصوتاً صامتاً أهربُ إليهِ كلما وحشتني ملامحك. الموجعُ في الأمر، أنني لم أضيع حبراً وورقاً، بل أشعرُ وكأنني، وبكاملِ عجزي، قد أضعتُكَ من جديد."
أثيل
58 ·